محمد رأفت سعيد

126

تاريخ نزول القرآن الكريم

فهي إذن رعاية من الله تبارك وتعالى لهؤلاء المؤمنين في مسيرتهم ، وهذه الأصول الجامعة فيما يلي : أولا : توجيه المؤمنين إلى الحمد أي إلى الثناء الكامل على الله وحده ، فله الثناء الحسن الجميل ، وهو سبحانه يستحق الحمد بأجمعه ، إذ له الأسماء الحسنى والصفات العلى ، ومع بذل غاية الجهد البشرى في الثناء على الله لا يصلون إلى ما يستحق الخالق البارئ المصور المنعم - جل جلاله - ولذلك جاء في دعوات النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك » فلله الحمد وله الشكر كذلك على ما أولى من الإحسان ؛ ولذلك روى عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال : الحمد لله كلمة كل شاكر ، وإن آدم عليه السّلام قال حين عطس : الحمد لله ، وقال الله لنوح عليه السّلام : فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 28 ) [ المؤمنون ] ، وقال إبراهيم عليه السّلام : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ [ إبراهيم : 39 ] ، وقال في قصة داود وسليمان وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ ( 15 ) [ النمل ] وقال لنبيه صلّى اللّه عليه وسلم : وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً [ الإسراء : 111 ] وقال أهل الجنة : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ [ فاطر : 34 ] ، وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [ يونس : 10 ] فهي كلمة كل شاكر . فتوجيه المؤمنين إلى الحمد توجيه إلى ما يرضى الرب سبحانه ، ويربى في المؤمنين الحسن المرهف الذي يقدر النعمة ويقدم الشكر لمسديها ، وأعظم هذه النعم نعمة الإسلام والإيمان والهداية ، فعن أبي هريرة رضي اللّه عنه وكذلك عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « إذا قال العبد : الْحَمْدُ لِلَّهِ قال : صدق عبدي ، الحمد لي » وروى مسلم عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم : « إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها أو يشرب الشربة فيحمده عليها » . فالحمد لله . ثانيا : التوجيه الثاني يتضمن الإقرار بالربوبية ، فالله سبحانه الذي يستحق الحمد وحده هو رب العالمين مالكهم ومربيهم . والعالمون جمع عالم وهو كما يقول قتادة : كل موجود سوى الله تعالى « 1 » فيشمل كل مخلوق وموجود ، وهذا ما ذكر من قوله

--> ( 1 ) القرطبي 1 / 139 .